أسعدالسهو/سوريا/
تقلد عبد الناصر بين قادة حركة التحرير في عصره مكانا متميزا، واستطاع أن يجسد آمال
الشعوب المقهورة، ويعبر عن الكثير من أمانيها وذلك من خلال معاركة الطويلة ضد سيطرة الاستعمار والإمبريالية وظهرت الناصرية كفلسفة ثورية تحددت معالمها على أرض مصر أولا بعد معارك مريرة قاوم فيها جمال عبد الناصر الأحلاف وأنهى الاحتلال البريطاني وأمم قناة السويس وحول المجتمع الذي كان يعاني من الاستعمار والإقطاع وسيطرة رأس المال إلى مجتمع انتقلت فيه الثروة إلى مالكها الشرعي وهو الشعب وتحررت الإرادة المصرية تحررا كاملا .
وأدرك عبد الناصر منذ البداية أن مصر المستقلة لا تستطيع أن تعيش وحدها فالتحم بحركة التحرر الوطني العربية التي أصبحت قاعدة انطلاقة الثورة وعندما التحم عبد الناصر بحركة التحرر الوطن الإفريقي ثم امتدت حركته إلى أسيا وبقية العالم حتى أصبح عبد الناصر محورا للحركة الثورية في العالم الثالث . ولابد لنا كوحدويين أن نتحدث عن جزء أساسي من فلسفة الثورة ثورة 23 يوليو عن الثورة الإفريقية , أجتاح فكر الثورة إفريقيا فغير الكثير من أوضاعها السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية وقد ظهر هذا التفسير في أواخر الخمسينات والستينات حين ارتفعت أعلام الاستقلال بالجملة متخذة من عواصم دولها المستقلة في القاهرة قاعدة لانطلاقها انهارت كثير من الحواجز التي حاول الاستعمار إقامتها منذ أن وطأت أقدامه إفريقيا ، ولم تكن الثورة الإفريقية مجرد التقاء لعدد من الثورات الإفريقية في مصر وكينيا والجزائر والكونغو وأنجولا وموزنبيق وجنوب إفريقيا وغيرها وإنما كان أخطر جوانب هذه الثورة هو ذلك الإحساس بالانتماء إلى القارة الذي زرعته الحركة الإفريقية عميقا في وجدان الأفارقة وجاء هذا الإحساس بالانتماء ليعطيهم الأمل في المستقبل ويولد فيهم الشعور بالزهو وبطبيعة الحال فإن الثورة الإفريقية لم تخرج من فراغ فلا شك أنه قد كان لها أسبابها وجذورها الممتدة عبر التاريخ ولكنها كأي ثورة كانت تحتاج إلى الزعيم أو الزعامة لقيادتها.
وكان هناك عدد من الزعماء قادوا ثورات إفريقيا فإننا نستطيع بكل اطمئنان أن نقول أن جمال عبد الناصر قد لعب الدور الأخطر بشهادة التاريخ وشهادة القادة الأفارقة أنفسهم استطاع أن يرد الثقة والكرامة لشعوب إفريقيا التي قهرها الاستعمار وأطبق على أنفاسها قرونا طويلة وزرع عبد الناصر في كل إفريقي الإحساس بالعزة والكرامة والفخر والانتماء إلى تاريخ وحضارات ذات ماض وذات مستقبل وبعد حرب السويس فتح عبد الناصر أبواب المستقبل أمام شعوب القارة التي كانت ترزح تحت سلطة الاستعمار فبانتصار مصر في معركة تأمين قناة السويس وقضائها على العدوان الثلاثي لم يعد أحد يشك أن عهد الإمبراطوريات قد انتهى كما انتهت سيطرة بريطانيا في مصر .
ولن نكون مبالغين إذا قلنا أن ثورة يوليو قد أحدثت من التغيير وتركت من التأثير في إفريقيا ما لا يقل عن التغيير والتأثير الذي أحثته الثورة الفرنسية في أوربا وعندما جاءت ثورة 23 تموز وتحررت الإرادة المصرية بعيدا عن أي سيطرة أجنبية أصبحت مصر قاعدة للثورة الإفريقية كما أصبحت من قبل قاعدة للثورة العربية فبرزت الثورات كما برزت في العالم العربي واستحق عبد الناصر عن جدارة أن يلقب بمفجر الثورة الإفريقية .
وعندما قامت ثورة يوليو لم يكن لمصر اهتمام يذكر أو أي صلات بالحركات الوطنية في إفريقيا اللهم إلا في السودان فقط باعتباره قطرا عربيا في المقام الأول وتطلعا إلى وحدة وادي النيل ومع ذلك كان لمصر سفارة في أديس أبابا ومفوضية في جنوب أفريقيا على المندوب المصري في المجلس الاستشاري في الصومال الذي كان موضوعا تحت وصاية الأمم المتحدة , وكان هناك صلات ثقافية قامت مع انتشار الإسلام في القارة السمراء وكان في الأزهر الشريف عدد كبير من الطلبة الإفريقيين أتوا من جميع القارة يدرسون في أروقة وجاء عبد الناصر ليضع إستراتيجية جديدة لسياسة مصر الخارجية في كتاب ((فلسفة الثورة )) فحدد هذه السياسة بدوائر ثلاثة هي العربية والإفريقية والإسلامية وكان معنى ذلك الاهتمام بالقارة الإفريقية ففي إفريقيا أكثر من تسع دول عربيا كما يعتبر الدين الإسلامي فيها أوسع الأديان انتشارا ,واستطاع عبد الناصر أن ينقل هذه الحركة الإفريقية إلى مرحلة الثورة ويضيف إليها أبعادا جديدة فبعد أن كانت الحركة الإفريقية تسير في اتجاه يحصرها في ناطق ما سمي بإفريقيا السوداء أو إفريقيا جنوب الصحراء أصبحت ثورة قارية تشمل إفريقيا كلها وأصبحت ثورة ذات أبعاد سياسية اجتماعية مع العلم أن الدول الاستعمارية من ناحيتها عملت دائما إلى تدعيم فكرة الفصل بين إفريقية العربية وإفريقيا السوداء وقدمت مصر كل مساعدة ممكنة لحركات التحرر والقوى الوطنية في إفريقيا فسقطت التقسيمات المصطنعة التي أريد لها أن تفصل بين أفريقيا العربية شمال الصحراء وما سمي بإفريقية السوداء جنوب الصحراء فقد انتشر العرب في القارة كلها شرقها وغربها وتداخلت القبائل العربية في القبائل الإفريقية وتزاوج العرب والإفريقيون وأحدث العرب تأثيرا كبيرا في حياة كثيرة من الشعوب الإفريقية فامتزجت الحضارة الإسلامية العربية بالحضارة الإفريقية القديمة .
الحسكة











