موقع الكاتب حسين حمدان العساف

  • تكبير الخط
  • الخط الإفتراضي
  • تصغير الخط

تمرّد الدول متوسطة القوة.

أرسل لصديقك طباعة صيغة PDF

محمد سيد رصاص/ سوريا/
خلال أربعة أشهر وعشرة أيام من عام 1965 حصل انقلابان عسكريان على اثنين كانا مشتركين بفاعلية
في التحضير لـ "مؤتمر القارات الثلاث "الذي كان مقرراً عقده في الشهر الأول من عام 1966 في هافانا، هما الجزائري أحمد بن بيللا (19 حزيران) والأندونيسي أحمد سوكارنو (30 أيلول)، وجرى خطف وقتل ثالث بباريس هو المهدي بن بركة (29 تشرين الاول) في عملية كانت أبعد من قدرات أجهزة الجنرال المغربي محمد أوفقير. حيث كان بن بركة كمنسق لأعمال التحضير للمؤتمر قد وجد صيغة تسوية تضمن اشتراك الصين والاتحاد السوفياتي في مؤتمر القارات الثلاث... وكان هذا هو السبب في اغتياله.

لحق الغاني نكروما بنظيريه الجزائري والأندونيسي في عام 1966، ثم جرت حرب 5 حزيران 1967 ضد عبدالناصر الذي كان مشتركاً بفاعلية في عملية التحضير لذلك المؤتمر. في تلك الفترة اختفى تشي غيفارا من المشهد الرسمي الكوبي ذاهباً إلى الأدغال البوليفية، في وقت كان المنشقون عن الحزب الشيوعي الفنزويلي يخوضون حرب عصابات بزعامة دوغلاس برافو مع دعم من هافانا. كانت موسكو مترددة كثيراً تجاه ذلك المؤتمر بحكم خوفها، إن تضافرت قواه الرئيسية مع ديغول المتمرد، على نظام العلاقات الدولية المتشكل بحكم مؤتمر يالطا (شباط 1945)، من أن يكسر ثنائية العملاقين في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. في المقابل كانت واشنطن متخوفة وتنتابها الهواجس من أن يؤدي ذلك المؤتمر، مع احتمال تلاقي بيجينغ وموسكو فيه بعد نزاعهما البادىء عام 1960 ،إلى جو دولي غير مؤات لها في وقت كان نصف مليون جندي أميركي غائصين في أوحال الغابات الفيتنامية.

أنشأ ما جرى، خلال أعوام 1965 و1966 و1967، بداية لميلان ميزان القوى الدولي لمصلحة الاميركيين، رغم هزيمتهم الفيتنامية في عام 1975 وبالرغم من الإنتصارات السوفياتية في أنغولا (1976) وإثيوبيا (1977) وأفغانستان (1978) ونيكاراغوا (1979)، وقد شكل ذلك مساراً لا يمكن من دونه تفسير انتصار واشنطن على موسكو وتحولها القطب الواحد للعالم منذ عام 1989.

هنا، يلاحظ، خلال سبعينات القرن العشرين وثمانيناته، تداعي مكانة الدول المتوسطة القوة (مصر، الهند، أندونيسيا، الجزائر، يوغسلافيا) وتراجعها على صعيد التوازنات الدولية بخلاف ما كان عليه الوضع في الفترة الفاصلة بين مؤتمر باندونغ (نيسان1955) وحرب حزيران 1967. وحتى عندما حاول الخميني ذلك ايرانياً فشل، فيما كان تعزز مكانة الدول الكبرى مبنياً على تقاربها مع احدى الدولتين العظميين ضد الأخرى كما حصل من الصين مع الولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفياتي منذ عام 1978. في المقابل فإن ميتران بدءاً من عام 1981 رمى تراث الديغولية الاستقلالي وراءه وكذلك فعل الألماني هلموت كول (1982-1998) بسياسة المستشار برانت (1969-1974) التقاربية مع موسكو ووارسو وبرلين الشرقية والتي أغضبت هنري كيسينجر كثيراً. وهو أمر تعزز كثيراً في فترة عالم ما بعد الحرب الباردة حيث كانت اعتراضات باريس وبرلين على حرب العراق (2003) فاصلاً قصيراً ليعود شيراك مع القرار 1559 (2 أيلول 2004) للإنتظام في تشاركية مع واشنطن قبل أن يبدأ ساركوزي في منافسة بريطانية على الإلتحاق بالسياسة الأميركية، وهو ما فعلته برلين إنجيلا ميركل منذ أيلول 2005، فيما كانت موسكو وبيجينغ في وضعية غير مواجهة أومعرقلة للقطب الواحد خلال عقدين من الزمن.

في هذا السياق، يلاحظ أن نمو الدول متوسطة القوة كان في فترة القطب الواحد للعالم بالتشارك مع واشنطن: الهند المتلاقية مع الأميركيين ضد الأصولية الاسلامية والمشتركة معها في الخوف من ترجمة العملاق الصيني قوته الاقتصادية إلى المجالات الأخرى. ايران المتحالفة مع واشنطن في غزوي أفغانستان 2001 وعراق 2003، تركيا أردوغان، برازيل لولا دا سيلفا منذ عام 2003، جنوب افريقيا المتشاركة مع الأميركيين في معالجة ملفي زيمبابوي 2008 وحرب شرق الكونغو في النصف الأول من 2009.
كانت ايران أول من تمرد من الدول المتوسطة على القطب الواحد منذ شهر آب 2005 مع استئنافها برنامج تخصيب الاورانيوم مستفيدة من التعثرات الأميركية في بلاد الرافدين ومن كونها كانت الرابح الأكبر من سقوط العراق. في مواجهة هذه الحالة الايرانية اتجهت واشنطن نحو تعويم الدور التركي في المنطقة بدءاً من عام 2007، وخاصة إثر فشل سياسة "معتدلين ضد متطرفين" التي أعلنت عنها الوزيرة رايس أثناء زيارتها للمنطقة بعد شهرين من انتهاء حرب 2006، التي قلبت التوازن الشرق الأوسطي لغير مصلحة واشنطن بخلاف ما كان عليه الأمر بين يوم سقوط بغداد وبداية تلك الحرب.

بدون هذه التغيرات في منطقة الشرق الأوسط، بين صيفي 2006 و2008، ما كان للحرب الروسية على جورجيا (آب 2008) أن تنشب بصفتها بداية استعادة موسكو النفوذ في نطاقها السوفياتي السابق، معلنة استيقاظاً روسياً غير مألوف بالقياس لأعوام ما بعد عام 1989. حصل تشدد عند بيجينغ خلال العامين الماضيين في ملفات تايوان وبورما،في قراءة عند العاصمتين لضعف أميركي ازداد مع أزمة أيلول 2008 المالية - الاقتصادية: في شهر حزيران 2009 بادرت روسيا والصين مع الهند والبرازيل إلى تأسيس ما سمي بمجموعة (بريك)، حيث أعلن رئيس الوزراء الهندي في قمتها المنعقدة في العاصمة البرازيلية بشهر نيسان 2010 أن هدف هذه المجموعة هو "انشاء نظام عالمي جديد أكثر ديموقراطية وعدالة ومتعدد القطب".

ما يلفت النظر، هنا، أن تبادر البرازيل بعد شهر من تلك القمة نحو مبادرة ذات طابع أبعد من اقليمها، في إتجاه عقد اتفاق مع طهران حول برنامجها النووي كانت تركيا طرفه الثالث، وهو ما جعل برازيليا وأنقرة لأول مرة في حالة صدام مع واشنطن كانت ذروته المشهدية يوم 9 حزيران 2010 بمجلس الأمن عندما صوتتا وحدهما ضد القرار 1929 الذي جعل اتفاق طهران حبراً على ورق. حصلت روسيا على الكثير مقابل عدم تغطيتها لتلك الحركة البرازيلية - التركية: موافقة ضمنية أميركية على كل المكاسب الروسية الأخيرة في النطاق السوفياتي السابق بما في ذلك وضع أوكرانيا منذ شباط الماضي تحت المظلة الروسية. أيضاً كسبت الصين في مواضيع تايوان والتيبت.
في ذلك الصباح بنيويورك، ظهرت كل الدول الخمس الكبرى (زائدة واحدة هي ألمانيا) متحدة في وجه دولتين متوسطتي القوة أرادتا المبادرة في موضوع برنامج نووي لدولة متوسطة القوة أصبحت خلال الأعوام القليلة الماضية أقوى دولة اقليمية في منطقة الشرق الأوسط. قبل عشرة أيام من قرار مجلس الأمن 1929 كان هناك هجوم اسرائيلي على سفينة تركية وقتل مقصود لمواطنين أتراك، وقبل هذا بساعتين حصلت عملية على قاعدة بحرية قرب مدينة الإسكندرونة قتل فيها ستة جنود أتراك: ماذا يعني كل هذا؟...
كاتب سوري



 

أضف تعليق


الكود الأمنى
تحديث


رأيك يهمنا!!؟

ما رأيك بالموقع بعد التطوير؟
 

بريد الموقع

hussienalassaf@hotmail.com

الحزيرة السورية

جديد نظام التعليقات

الآن يمكنكم التعليق على كافة المواد المنشورة في الموقع

البحث

وكالات أخبارية